يثير اختلاف الناس في وصف العطر الواحد تساؤلات حول دور الإدراك الشمي في تشكيل تجربة المستهلك، إذ يشمّ شخصان الرائحة نفسها لكنهما يصفانها بطرق متناقضة.
أوضح مدرب العطور معاذ خواجي أن هذا الاختلاف لا يعود إلى العطر وحده، بل يرتبط بشكل أساسي بالذاكرة الشمية والتجارب الحسية التي يمر بها كل شخص على مدار حياته.
وأشار إلى أن الدماغ يسجل الروائح ويربطها بأماكن وأشخاص ومواقف، وحين يشمّ الشخص عطراً جديداً فإنه لا يُعالَج كرائحة مستقلة، بل تتم مقارنته تلقائياً بما هو مخزن مسبقاً من روائح.
ولفت إلى أن شخصين يمكن أن يشمّا العطر ذاته ويصف كل منهما التجربة بطريقة مختلفة تماماً، تماماً كما يصعب وصف رائحة الغابة لمن عاش حياته في الصحراء، أو رائحة البحر لمن لم يقترب يوماً من الشاطئ .
التدريب يسهل الوصف
أكد خواجي أن تدريب الذاكرة الشمية يُحدث نقلة نوعية في طريقة التعامل مع الرائحة، إذ ينتقل الشخص مع الخبرة من وصف الرائحة عبر التشبيه إلى القدرة على تمييز النوتة العطرية بذاتها.
وأوضح أن من يفتقر إلى هذا التدريب قد يصف رائحة بودرية بأنها تُذكّر برائحة الأطفال لأن أقرب تجربة مخزنة لديه هي بودرة الأطفال، في حين يستطيع من تدرب على العطور أن يتعرف على أنها تحمل طابع زهرة السوسن.
نوتة واحدة بأكثر من رائحة
أشار خواجي إلى أن النوتة العطرية الواحدة قد تحمل أكثر من طابع رائحي بحسب الجزء المستخدم من المادة الخام وطريقة معالجتها.
وضرب مثالاً بالسوسن، إذ تحمل الزهرة نفسها طابعاً زهرياً ناعماً، والأجزاء الخضراء من النبات تحمل جوانب عشبية ومنعشة، والريزومات (الجذور تحت التربة) تُنتج بعد التجفيف والاستخلاص جوانب بودرية وترابية مميزة.
وبيّن أن الطابع الآيرسي المألوف في العطور لا يُشترط أن يأتي من استخلاص الزهرة مباشرة، إذ يمكن الحصول عليه من مواد طبيعية أخرى أو من مركبات عطرية تُستخدم لإبراز الطابع البودري والبنفسجي المرتبط بالسوسن.
واستشهد بتجربة دار غيرلان في إعادة تقديم L'Heure Bleue، حيث طورت الدار صبغة سوسن حصرية اعتمدت على ريزومات مختارة من إيطاليا استغرق تطويرها ثلاث سنوات عبر نقع المادة الطبيعية في الكحول لاستخلاص مكوناتها.
أثر النوتات المستحدثة على الذاكرة
أوضحت خبيرة العطور زينة الحسين أن استحداث عائلة عطرية أوزونية ضمن تركيبة العطر يمثل خطاً غير مألوف على هذا النطاق، وأن هذه العائلة تقوم على أكوردات عطرية تُمزج معاً لاستحداث رائحة محددة تحاكي رائحة الهواء.
وأكدت أن العائلة الأوزونية عائلة مستحدثة لا يفهم كثيرون طبيعتها بعد، إضافة إلى أن جزءاً من الأحكام يصدر بناءً على تجربة العطر على الورق فقط أو تجربة سريعة دون ارتدائه كاملاً والعيش مع تفاصيله.
وأكد خواجي أن تدريب الذاكرة الشمية هو أحد أهم مفاتيح فهم العطور، إذ كلما اتسعت دائرة الروائح والنوتات التي يتعرف عليها الشخص ازدادت قدرته على تحليل العطر ووصفه بدقة بدلاً من الاكتفاء بالتشبيهات والذكريات الشخصية.
عاملان يفسران التباين في التلقي
يكشف هذا التباين في تلقي العطر أن اختلاف الرأي حوله ليس أمراً عارضاً بل نتيجة طبيعية لالتقاء عاملين مختلفين.
فمن جانب، توضح الذاكرة الشمية الفرد أن كل شخص يقيس الرائحة الجديدة على ما هو مخزن لديه مسبقاً.
ومن جانب آخر، يزيد دخول عائلة عطرية مستحدثة كالأوزونية على تركيبة العطر من صعوبة هذا الإدراك، لأنها نوتات لم تألفها ذاكرة كثير من الأشخاص بعد.













